ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )

88

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )

الكتاب ؛ والتفسير الأحسن هو الألفاظ الدالة على ذلك الحق ، فهو تفسيره وبيانه ، والتفسير أصله من البيان والظهور ، ويلاقيه في الاشتقاق الأكبر الإسفار ومنه « أسفر الفجر » إذا أضاء ووضح . ومنه السفر لبروز المسافر من البيوت ، ومنه السفر الذي يتضمن إظهار ما فيه من العلم . فلا بد أن يكون التفسير مطابقا للمفسر مفهما له . ولا تجد كلاما أحسن تفسيرا ولا أتم بيانا من كلام اللّه سبحانه . ولهذا سماه اللّه بيانا وأخبر أنه يسره للذكر ويسر ألفاظه للحفظ ؛ ومعانيه للفهم ، وأوامره ونواهيه للامتثال . ومعلوم أنه لو كان بألفاظ لا يفهمها المخاطب لم يكن ميسرا له بل كان معسرا عليه ، وإذا أريد من المخاطب أن يفهم من ألفاظه ما لا يدل عليه من المعاني أو يدل على خلافه فهذا من أشد التعسير ، فإنه لا شيء أعسر على الأمة من أن يراد منهم أن يفهموا كونه سبحانه لا داخلا في العالم ولا خارجه ، ولا متصلا به ، ولا منفصلا عنه ولا مباينا له ، ولا محايثا له ، ولا يرى بالأبصار عيانا ، ولا له يد ؛ ولا وجه من قوله : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ومن قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تفضلوني على يونس بن متى » ومن قوله : الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ( سورة غافر : 7 ) وأن يجهدوا أنفسهم ويكابدوا أعظم المشقة في تطلب أنواع الاستعارات وضروب المجازات ووحشى اللغات ، ليحملوا عليها آيات الصفات وأخبارها ؛ ويقول يا عبادي اعلموا أني أردت منكم أن تعلموا أني لست فوق العالم ، ولا تحته ، ولا فوق العرش ؛ ولا ترفع الأيدي إلي ، ولا يعرج إلي شيء ولا ينزل من عندي شيء من قولي : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ( طه : 5 ) ، ومن قولي : يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ( النحل : 50 ) ومن قولي : تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ( المعارج : 4 ) ومن قولي : بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ( النساء : 158 ) ومن قولي : رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ ( غافر : 15 ) ومن قولي : وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ( الشورى : 4 ) وأن تفهموا أنه ليس لي يدان من قولي : لِما خَلَقْتُ